محمد بن جرير الطبري

209

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لمن شهد له وعمن شهد عليه . وأما إعراضه عنها ، فإنه تركه أداءها والقيام بها فلا يشهد بها العدل في الشهادة . وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه قال : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء ، وأظهر معاني الشهداء ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَإِنْ تَلْوُوا فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى الكوفة وَإِنْ تَلْوُوا بواوين من : لواني الرجل حقي ، والقوم يلوونني ديني ، وذلك إذا مطلوه ، ليا . وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة : " وإذ تلوا " بواو واحدة ؛ ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان : أحدهما أن يكون قارئها أراد همز الواو لانضمامها ، ثم أسقط الهمز ، فصار إعراب الهمز في اللام إذ أسقطه ، وبقيت واو واحدة ، كأنه أراد : تلووا ، ثم حذف الهمز . وإذا عني هذا الوجه كان معناه معنى من قرأ : وَإِنْ تَلْوُوا بواوين غير أنه خالف المعروف من كلام العرب ، وذلك أن الواو الثانية من قوله : تَلْوُوا واو جمع ، وهي علم لمعنى ، فلا يصح همزها ثم حذفها بعد همزها ، فيبطل علم المعنى الذي له أدخلت الواو المحذوفة . والوجه الآخر : أن يكون قارئها كذلك ، أراد : إن تلوا ، من الولاية ، فتكون معناه : وإن تلوا أمور الناس ، أو تتركوا . وهذا معنى إذا وجه القارئ قراءته على ما وصفنا إليه ، خارج عن معاني أهل التأويل وما وجه إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون تأويل الآية . فإذا كان فساد ذلك واضحا من كلا وجهيه ، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا بمعنى اللي : الذي هو مطل ، فيكون تأويل الكلام : وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيام له بها . فتغيروها ، وتبدلوا ، أو تعرضوا عنها ، فتتركوا القيام له بها ، كما يلوي الرجل دين الرجل ، فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له ، كما قال الأعشى : يلوينني ديني النهار واقتضي * ديني إذا وقذ النعاس الرقدا وأما تأويل قوله : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فإنه أراد : فإن الله كان بما يعملون من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها وإعراضكم عنها بكتمانكموها ، خبيرا ، يعني : ذا خبرة وعلم به ، يحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، يقول : فاتقوا ربكم في ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . . . ضَلالًا بَعِيداً يعني بذلك جل ثناؤه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بمن قبل محمد من الأنبياء والرسل ، وصدقوا بما جاءوهم به من عند الله . آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يقول : صدقوا بالله ، وبمحمد رسوله ، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم . وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يقول : وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه ، وذلك القرآن . وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ يقول : وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل . فإن قال قائل : وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين ؟ قيل : إنه جل ثناؤه لم يسمهم مؤمنين ، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا ، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق ، وذلك أنهم كانوا صنفين : أهل توراة مصدقين بها وبمن جاء بها ، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما ؛ وصنف أهل إنجيل وهم مصدقون به وبالتوراة وسائر الكتب ، مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان . فقال جل ثناؤه لهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني : بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل ، آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ محمد صلى الله عليه وسلم ، وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله تجدون صفته في كتبكم ، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ الذي تزعمون أنكم به